السيد علي الحسيني الميلاني
296
تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات
هذا السبيل ، وهكذا كان الأمر في كلّ خلف وجيل ، إلى أن انتهى إلينا كالشمس الضاحية ليس دونها حجاب ، فنحن الآن في الفروع والأُصول على ما كان عليه الأئمة من آل الرسول ، روينا بقضّنا وقضيضنا مذهبهم عن جميع آبائنا ، وروى جميع آبائنا ذلك عن جميع آبائهم ، وهكذا كانت الحال في جميع الأجيال ، إلى زمن النقيين العسكريين ، والرضايين الجوادين ، والكاظمين الصادقين ، والعابدين الباقرين ، والسبطين الشهيدين ، وأميرالمؤمنين عليه السلام ، فلا نحيط الآن بمن صحب أئمة أهل البيت من سلف الشيعة ، فسمع أحكام الدين منهم ، وحمل علوم الإسلام عنهم ، وإن الوسع ليضيق عن استقصائهم وعدّهم . وحسبك ما خرج من أقلام أعلامهم ، من المؤلفات الممتعة التي لا يمكن استيفاء عدّها في هذا الإملاء ، وقد اقتبسوها من نور أئمة الهدى من آل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، واغترفوها من بحورهم ، سمعوها من أفواههم ، وأخذوها من شفاههم ، فهي ديوان علمهم ، وعنوان حكمهم ، أُلّفت على عهدهم ، فكانت مرجع الشيعة من بعدهم ، وبها ظهر امتياز مذهب أهل البيت على غيره من مذاهب المسلمين ، فإنا لا نعرف أن أحداً من مقلدي الأئمة الأربعة مثلاً ، ألّف على عهدهم كتاباً في أحد مذاهبهم ، وإنما ألّف الناس على مذاهبهم فأكثروا بعد انقضاء زمنهم ، وذلك حيث تقرر حصر التقليد فيهم ، وقصر الإمامة في الفروع عليهم ، وكانوا أيام حياتهم كسائر من عاصرهم من الفقهاء والمحدثين ، لم يكن لهم امتياز على من كان في طبقتهم ، ولذلك لم يكن على عهدهم من يهتم بتدوين أقوالهم ، اهتمام الشيعة بتدوين أقوال أئمتها المعصومين - على رأيها - فإن الشيعة من أول نشأتها لا تبيح الرجوع في الدين إلى غير أئمتها ، ولذلك عكفت هذا العكوف عليهم ، وانقطعت في أخذ معالم الدين إليهم ، وقد بذلت الوسع والطاقة في تدوين